فخر الدين الرازي

149

تفسير الرازي

الندبية فقوله : * ( أطيعوا ) * لو كان معناه أن الاتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة . لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر ، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال : ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها ، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة . والثاني : أنه تعالى ختم الآية بقوله : * ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) * وهو وعيد ، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله : * ( فردوه إلى الله ) * قائم ، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله : * ( أطيعوا الله ) * وقوله : * ( فردوه إلى الله ) * قائم ، ولا شك أن الاحتياط فيه ، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله : * ( أطيعوا الله ) * موجبا للوجوب ، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الامر للوجوب ، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع . المسألة الثامنة : اعلم أن المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم اما القول واما الفعل ، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى : * ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل . وذلك لأنا بينا ان قوله : * ( أطيعوا ) * يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم إنه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد عليه الصلاة والسلام : * ( فاتبعوه ) * وهذا أمر ، فوجب أن يكون للوجوب ، فثبت أن متابعته واجبة ، والمتابعة عبارة عن الاتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله ، فثبت ان قوله * ( أطيعوا الله ) * يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله ، وقوله : * ( وأطيعوا الرسول ) * يوجب الاقتداء به في جميع أقواله ، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة . المسألة التاسعة : اعلم أن ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه ، ويدل عليه وجوه : الأول : ان قوله : * ( أطيعوا الله ) * يصح منه استثناء أي وقت كان ، وحكم الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل ، فوجب أن يكون قوله : * ( أطيعوا الله ) * متناولا لكل الأوقات ، وذلك يقتضي التكرار ، والتكرار يقتضي الفور . الثاني : انه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة ، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة ، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة ، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا ، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص ، والتخصيص خير من الاجمال . الثالث : ان قوله : * ( أطيعوا الله ) * أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله ، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها ، فثبت من هذا الوجه ان المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية ، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة